وهبة الزحيلي
17
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وتاريخ الإسراء مختلف فيه ، والظاهر أنه كان قبل الهجرة إلى المدينة بسنة . ولا خلاف بين العلماء وأهل السير أن الصلاة إنما فرضت بمكة ليلة الإسراء حين عرج بالنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم إلى السماء ، وذلك منصوص عليه في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما « 1 » . وإنما اختلفوا في هيئتها حين فرضت ، فروى البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والنسائي عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : « فرض اللّه الصلاة - حين فرضها - ركعتين ، ثم أتمها في الحضر ، وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى » . وروى مسلم وأبو داود والنسائي عن عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما قال : « فرض اللّه الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا ، وفي السفر ركعتين ، وفي الخوف ركعة » . 3 - إن المقصود من الإسراء والمعراج أن يري اللّه نبيه الآيات العظمى الدالة على وجوده ووحدانيته وقدرته ، ومن تلك الآيات : الجنة والنار وأحوال السماوات والكرسي والعرش ، فيصبح العالم في عينه حقيرا أمام عظمة الكون ، وتقوى نفسه على احتمال المكاره والجهاد في سبيل اللّه . ومن تلك الآيات التي أراه اللّه العجائب التي أخبر بها النبي الناس ، وإسراؤه في ليلة ، وعروجه إلى السماء ، ووصفه الأنبياء واحدا واحدا ، كما ثبت في صحيح مسلم وغيره . كما أن في الإسراء من مكة إلى بيت المقدس الإشارة إلى وحدة الأنبياء في الرسالة والهدف والتوجه إلى اللّه تعالى وحده ، وإن اختلفت القبلتان ، وتمايزت الشرائع ، وتمادى الزمان في فترات إرسال الأنبياء عليهم السلام ، فهم من أولهم آدم عليه السلام إلى خاتمهم محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم دعاة إلى توحيد اللّه وعبادته وإلى إصلاح
--> ( 1 ) جامع الأصول : 6 / 131 .